تعريف أحوال سادة الأنام النبي و الأثني عشر امام


... [1] و كان يكني أباالحسن، و أباابراهيم، و أباعلي أيضا. و كان ينعت بالكاظم.

و كان أجل ولد أبيه قدرا، و أعظمهم محلا، و أبعدهم في الناس صيتا. و لم ير في زمانه أسخي منه و لا أكرم نفسا و عشرة.

و كان أعبد أهل زمانه و أورعهم و أحلمهم و أفقههم.

و اجتمع جمهور شيعة أبيه علي القول بامامته [2] و التسليم لأمره، لما صح عندهم و ثبت نص أبيه عليه السلام بالامامة عليه و اشارته اليه بالخلافة بعده، و أخذوا عنه معالم دينهم.



[ صفحه 90]



وروي أنه عليه السلام كان يصلي نوافل الليل و يصلها بصلاة الصبح، ثم يعقب حتي تطلع الشمس.

و يخر لله ساجدا فلا يرفع رأسه من الدعاء و التحميد حتي يقرب زوال الشمس. [3] .

و كان من دعائه [عليه السلام]: عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك. [4] .

و كان يبكي من خشية الله حتي تخضل لحيته بالدموع.

و كان أوصل الناس لأهله و رحمه.

و كان يفتقد فقراء المدينة في الليل، فليحمل اليهم فيه العين و الورق و التمور، فيوصل اليهم ذلك و لا يعلمون من أي جهة هو. [5] .

و من أخباره عليه السلام: أنه لما دخل هارون الرشيد المدينة توجه لزيارة النبي صلي الله عليه و آله معه الناس، فتقدم الي قبر رسول الله صلي الله عليه و آله فقال: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يابن عم! - كالمفتخر



[ صفحه 91]



بذلك علي غيره - فتقدم أبوالحسن موسي عليه السلام الي القبر فقال: السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبة! فتغير وجه الرشيد و تبين فيه الغيظ. [6] .

و كان عليه السلام اذا قرأ القرآن يحدر و يبكي، فيبكي السامعون لتلاوته. [7] .

و كان الناس بالمدينة يسمونه زين المتهجدين. [8] .

و مضي عليه السلام قتيلا في حبس السندي بن شاهك بأمر هارون الرشيد.

و كان الذي تولي به السندي قتله عليه السلام سما، جعله في طعام قدمه اليه.

و يقال: انه جعله في رطب. [9] .

وروي: أنه أذاب الرصاص فصبه في حلقه، و كان سبب موته. [10] .



[ صفحه 92]



و كان السبب في قبض الرشيد علي أبي الحسن عليه السلام و حبسه و قتله: أن الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث، فحسده يحيي بن خالد البرمكي، فقال: ان أفضت الخلافة اليه زالت دولتي و دولة ولدي، كأنه قدر أنه اذا أفضت الخلافة الي ابن الرشيد كان جعفر بن محمد بن الأشعث هو الذي يدبر أموره، و جعفر هذا يقول بالامامة، فيتوصل الي أن يصير الأمر الي الكاظم عليه السلام، و في ذلك ذهاب دولة البرمكي و أشباهه من أصحاب دولة الجور. [11] .

فاحتال البرمكي بأن حمل مالا الي علي بن اسماعيل بن جعفر بن محمد ابن أخي الكاظم عليه السلام و كان بالمدينة، و أنفذ اليه يرغبه في قصد الرشيد و يعده بالاحسان، و كان غرضه من ذلك أن يعترف منه من أحوال الكاظم عليه السلام ما يرفعه الي الرشيد، فيوغر به قلبه عليه.

و كان علي بن اسماعيل مملقا من المال ضعيف اليقين، فخرج حتي أتي يحيي بن خالد، فتعرف منه خبر الكاظم عليه السلام، و رفع ما سمعه منه الي الرشيد و زاد عليه.

ثم أوصله الي الرشيد، فسأله الرشيد عن عمه، فسعي به اليه و قال: ان الأموال تحمل اليه من المشرق و المغرب.

و خرج الرشيد في تلك السنة الي الحج و بدأ بالمدينة، و استقبله موسي عليه السلام في جماعة من الأشراف، ثم مضي أبوالحسن عليه السلام الي المسجد



[ صفحه 93]



علي رسمه، فأمر الرشيد فأخذ من المسجد و أدخل عليه، فقيده و استدعي قبتين، فجعله في احداهما علي بغل و جعل الأخري علي بغل آخر، و أخرج البغلان و معهما جماعة من الفرسان.

ثم افترقت الخيل، فمضي بعضهم مع احدي القبتين علي طريق البصرة و الآخرون مع الأخري علي طريق الكوفة، و كان أبوالحسن عليه السلام في القبة التي مضي بها علي طريق البصرة. و انما فعل الرشيد ذلك ليعمي علي الناس الأمر و أمر الذي كانوا معه أن يسلموه الي عيسي بن جعفر بن المنصور، و كان واليا علي البصرة، فحبسه عنده سنة، ثم كتب اليه الرشيد أن يقتله، فتوقف و كتب الي الرشيد: قد طال أمر موسي بن جعفر في حبسي، و قد اختبرت حاله و وضعت عليه العيون طول هذه المدة فما وجدته يفتر عن العبادة، فان أنفذت من يتسلمه مني و الا خليت سبيله، فانني متحرج من حبسه.

فوجه الرشيد من تسلمه منه وصار به الي بغداد، فتسلمه الي الفضل بن الربيع، فبقي عنده مدة طويلة، فأراده الرشيد علي قتله فأبي.

فكتب اليه بتسليمه الي الفضل بن يحيي، فتسلمه و جعله في بعض حجر داره و وضع عليه الرصد، فكان عليه السلام مشغولا بالعبادة، يحيي الليل كله صلاة و قراءة للقرآن و دعاء، و يصوم النهار في أكثر الأيام و لا يصرف وجهه عن المحراب، فوسع عليه الفضل بن يحيي و أكرمه، فكتب اليه الرشيد ينكر عليه و يأمره بقتله، فتوقف عن ذلك و لم يقدم عليه.

فدعا الرشيد مسرورا الخادم و قال له: أخرج علي البريد الي بغداد، فان



[ صفحه 94]



وجدت موسي بن جعفر في دعة و رفاهية فأوصل هذا الكتاب الي العباس بن محمد.

فقدم مسرور و رأي موسي عليه السلام في الدعة، فكتب الي الرشيد بذلك، فكتب الرشيد أن يسلم الي السندي بن شاهك، فتولي السندي قتله علي ما مضي. [12] .

و لما مات عليه السلام أدخل السندي الفقهاء و وجوه أهل بغداد، فنظروا اليه و لا أثر به من جراح و لا خنق، و أشهدهم زعم علي أنه مات حتف أنفه. ثم أخرج و وضع علي جسر بغداد و نودي: هذا موسي بن جعفر قد مات فانظروا اليه. فجعل الناس يتفرسون في وجهه و هو ميت.

و قد كان جماعة ممن لا بصيرة له زعموا في أيامه عليه السلام أنه هو القائم المنتظر، و جعلوا حبسه هو الغيبة المذكورة للقائم. و هذه الفرقة تعرف ب «الواقفة»، فلذلك أمر يحيي بن خالد أن ينادي عليه عند موته: هذا موسي بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت، فانظروا اليه. [13] .

ثم حمل عليه السلام و دفن في مقابر قريش في باب التبن، و كانت هذه المقبرة لبني هاشم و الأشراف من الناس قديما. [14] .

و كان موته عليه السلام لست خلون من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة،



[ صفحه 95]



و له يومئذ خمس و خمسون سنة.

و كانت مدة خلافته و مقامه في الامامة بعد أبيه عليهماالسلام خمسا و ثلاثين سنة.

وروي أنه كان يقول و هو في حبس عيسي بن جعفر بالبصرة: اللهم انك تعلم أني كنت أسألك أن تقر عيني لعبادتك، اللهم و قد فعلت، فلك الحمد. [15] .

و نص بالامامة من بعده و الخلافة علي ابنه علي بن موسي عليهماالسلام و أشار اليه بذلك دون جماعة اخوته و أهل بيته.


***

[1] هنا سقط في النسخة.

[2] في المخطوطة: «باماته».

[3] الارشاد 2 : 231 باب ذكر طرف من فضائله و مناقبه، اعلام الوري: 306 الفصل الرابع في ذكر طرف من مناقبه، المناقب 4 : 318 فصل في معالي أموره، و انظر بحارالأنوار48 : 101 باب 5، عبادته و سيره و مكارم اخلاقه.

[4] الارشاد 2 : 231 باب ذكر طرف من فضائله و مناقبه، دلائل الامامة: 150 ذكر ولده عليه السلام، كشف الغمة 2 : 228 باب ذكر طرف من فضائله و مناقبه، و انظر: بحارالأنوار 48 : 101 باب 5، عبادته و سيره و مكارم أخلاقه.

[5] مناقب آل أبي طالب 3 : 433.

[6] الارشاد 2 : 234 باب ذكر طرف من فضائله و مناقبه، الاحتجاج 2 : 393 احتجاج أبي ابراهيم موسي بن جعفر عليه السلام، روضة الواعظين 1 : 215 مجلس في ذكر امامة أبي الحسن موسي بن جعفر عليهم السلام، و انظر: بحارالأنوار 48 : 135 / 8 باب 6، مناظراته عليه السلام مع خلفاء الجور.

[7] القاب الرسول و عترته: 65، الارشاد 2 : 235.

[8] الارشاد 2 : 235.

[9] الارشاد 2 : 242 باب ذكر السبب في وفاته، اعلام الوري: 311 الركن الثالث - الباب السادس، روضة الواعظين 1 : 220 فصل في ذكر وفاته، كشف الغمة 1 : 234 باب ذكر السبب في وفاته.

[10] الارشاد 2 : 242، نقل ذلك في هامش النسخة المحفوظة في مكتبة آيةالله العظمي السيد المرعشي العامة في قم برقم 1144.

[11] انظر مقاتل الطالبيين: 333.

[12] انظر: الارشاد 2 : 239.

[13] روضة الواعظين: 220.

[14] الارشاد 2 : 243.

[15] الارشاد 2 : 240 باب ذكر السبب في وفاته، مناقب آل أبي طالب 3 : 433، روضة الواعظين 1: 119 فصل في ذكر في وفاته، كشف الغمه 2 : 232 باب ذكر السبب في وفاته، و ذكر في البحار 48 : 107 باب 5، عبادته و سيره و مكارم أخلاقه.