وفاة السفاح
و مرض السفاح مرضه الذي توفي فيه، و بقي أياما يعاني أشد الآلام و أقساها.
و لما ثقل حاله، واشتد به المرض ارسل الي ابن أخيه عيسي بن موسي، و في رواية الي عمه عيسي بن علي، فناوله كتابا مغلقا، و كتب علي غلافه: «من عبدالله و وليه الي آل رسول الله (ص) و الأولياء و جميع المسلمين» و أوصاه بكتمان أمره اذا خرجت نفسه حتي يقرأ الكتاب علي الناس، و لم يكن احد يدري لمن اوصي بالخلافة من بعده [1] .
و في ليلة الأحد الموافق: 12 ذي الحجة سنة (136 ه) توفي
[ صفحه 354]
السفاح [2] وانتقل الي الله فسجاه عيسي بن علي بثوبه، و كتم علي الناس موته، فلما اصبح الصبح جمع رجال بني العباس، و كبار رجال الدولة فنعي اليهم السفاح، واخرج اليهم كتاب البيعة مغلقا، ففض الكتاب أمامهم و اذا به يوصي بالخلافة لأخيه أبي جعفر، و بولاية العهد الي ابن أخيه عيسي ابن موسي بن محمد، و اخذ البيعة علي الحاضرين لأبي جعفر المنصور، ثم قام بعد ذلك بمواراته فدفن في قصره حسب وصيته [3] .
وانتهت بذلك حياة السفاح الحافلة بسفك الدماء، و هتك الحرمات، و قد ختم حياته بفرض اخيه المنصور خليفة علي المسلمين، و هو من أشر خلق الله، و أخبث حاكم في الاسلام لؤما و انحرافا عن العدل، فقد جهد في فقر المسلمين و اشاعة الذعر و الخوف في جميع انحاء العالم الاسلامي كما سنذكره بالتفصيل.
الي هنا ينتهي بنا الحديث عن الامام موسي (ع) في عهد السفاح، فرأي و هو في غضون الصبا و ريعة العمر محنة المجتمع الاسلامي و شقاءة بتلك الادوار الرهيبة التي اجتازت عليه فانه لم ينتقل من جور الامويين و ظلمهم حتي وقع تحت وطأة الحكم العباسي فأخذ يعاني الجور و الاستبداد، والعسف و الارهاق، واخذت السلطة العباسية تمعن في افقار المسلمين و نهب ثرواتهم و صرفها بسخاء علي المجون و الدعارة كما كان الحال أيام الحكم الاموي، و من الطبيعي ان لذلك أثرا كبيرا في حياة الامام موسي (ع) وانطوائها علي الحزن و الأسي.
[ صفحه 357]
پاورقي
[1] تأريخ اليعقوبي: 3 / 348.
[2] مروج الذهب: 3 / 181.
[3] ابن الأثير: 4 / 347.